فهرس الكتاب
سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: «نعم» ، ثم قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه ما قاله، فقال: «نعم، إلا الذي قاله جبريل آنفًا» ؛ ولهذا قال: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} يعني لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي ولأغفرنها لهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار، يعني جزءا لهم على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله، وهذه الجنات تجري في خلالها الأنهار، من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما قال تعالى: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
وقوله: {ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ} الثواب والمثوبة: الجزاء، وأضافه إليه ونسبه إليه؛ ليدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلًا كثيرًا، قال أبو الطيب:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم
وقد وعد الله من فعل ذلك بأمور ثلاثة: محو السيئات، وغفران الذنوب، ودل على ذلك بقوله: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} وذلك ما طلبوه بقولهم: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} .
ثانيًا: إعطاء الثواب العظيم، وهو قوله: {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} بعدما طلبوه بقولهم: {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ} .
ثالثًا: أن يكون هذا الثواب مقرونًا بالتعظيم والإجلال، وهو قوله: {عِندِ اللَّهِ} وهذا ما طلبوه بقولهم: {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ} والمعنى: لأكفرن عنهم