الصفحة 187 من 1034

الجلوس في مجالسهم وأنديتهم والتروض معهم، والسفر بصحبتهم ومشاركتهم في عمل من أعمال الحياة كتجارة أو صناعة أو زراعة أو نحو ذلك.

ولما كان الإنسان يحب التقليد صار يحاكي من يخالطه، فإن كان من أصحاب العقول الراجحة، والأفكار الصالحة، والأخلاق العالية، والعقائد المستقيمة، والأعمال المجيدة سري كل ذلك في الغالب إليه، بل إذا طالت الصحبة وكثرة المجالسة وحسنت العشرة وجدته قد طبع بطابعهم فلا يفترق عنهم في شيء، وكذا من يخالط الأشرار ويقارنهم يدنسونه ويفسدون عقله، ويسيئون أدبه ويعرفونه طرق الشر والفساد، ويعرفونه بأشكالهم من أهل الفسق والفجور، ويفتحون له الأبواب المغلقة مما كان جاهلًا به ومما كان غافلًا عنه من أبواب الشرور والفساد، فالعاقل اللبيب الحازم من يبحث أولًا عن النفوس الطيبة الزكية الخيرة، فيساكنها، ويجاورها، ويجالسها، ويصاحبها ويلازمها، ويبحث عن مجالسها وأنديتها فيغشي ما غشيت، ويذهب أنى ذهبت لتتصل روحه بروحها، فيستقي من معينها ويتأدب بآدابها ويتخلق بأخلاقها، ويتأسى بأعمالها، وقديمًا قيل في الحث على مقارنة الأخيار والابتعاد عن الأشرار:

واختر صديقك واصطفيه تفاخرًا ... إن القرين إلى المقارن ينسب

واحذر مؤاخاة الدني لأنه ... يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب

وقال الآخر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى

وقوله: {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} .

المعنى: أي شيء يضرهم لو آمنوا بالله إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت