فهرس الكتاب
الأخرى، فانتصر المجاهدون في سبيل الله الذين خرجوا مستعدين للبلاء ونالهم فضل من الله بالنصر والغنيمة والرضوان ندم المتخلف أن لم يكن شريكًا في معركة رابحة، وقال: يا ليتني كنت معهم فأفوز كما فازوا، فهو قد نسي ما يجب عليه من مديد المعونة إليكم وبذل ما يمكنه من نفس أو مال، ولكن ضعف إيمانه أو جبنه منعه عن هذا إذ أن هذا التمني بعد فوات الفرصة دليل على ضعف العقل، وأنه ممن لا يهتم بأمر الآخرة، وفي قوله: {كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} تقريع وتوبيخ بالطف القول وأرق العبارة، إذ أن قليلًا من المودة كان ينبغي أن يمنع مثل هذا التمني وأن بعد هذا الإحجام نعمة، فهذا يشعر بأن هذا لا يرى نعمة الله على المؤمنين نعمة وفضلا عليه ولا ما يصيبهم من جهد وبلاء كأنه يصيبه هو مع أن القرآن يصرح بأن المؤمنين إخوة، والحديث يمثلهم في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضًا.
وقوله: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} يشرون مضارع شرى، ويكون بمعنى باع واشترى من الأضداد، فإن كان بمعنى يشترون، فالمراد من الموصول المنافقون أمروا بترك النفاق وأمروا بالمجاهدة مع المؤمنين، والفاء للتعقيب أي ينبغي بعد ما صدر منهم من التثبيط والنفاق تركه، وتدارك ما فات من الجهاد بعد، وإن كان بمعنى يبيعون فالمراد منه المؤمنون الذين تركوا الدنيا واختاروا الآخرة أمروا بالثبات على القتال، وعدم الإلتفات إلى تثبيط المثبطين المبطئين، والفاء جواب شرط مقدر، أي إن بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المؤمنون المخلصون الذين يؤثرون الآجلة على العاجلة ويبذلون أنفسهم في طلبها، فإن هؤلارء الذين يوجه إليهم الخطاب؛ لأنهم الذين قد أعدوا أنفسهم ووطنوها على جهاد الأعداء لما معهم من الإيمان التام المقتضي لذلك.