الصفحة 239 من 1034

سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.

قيل: نزلت في طعمة أيضًا، وذلك أنه لما سرق وظهرت عليه السرقة خاف على نفسه القطع والفضيحة، فهرب إلى مكة كافرًا مرتدًا عن الدين، فأنزل الله عز وجل فيه: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} المشاقة: المعاداة والمحادة، أي ومن يشاقق الرسول فيسلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له، وقامت عليه الحجة، وقوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ} هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشرع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم.

وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك، روي أن الشافعي - رحمه الله - سُئل عن آية في كتاب الله تدل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى استخرج هذه الآية، وهي قوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ} وذلك لأن إتباع غير سبيل المؤمنين، وهو مفارقة الجماعة حرام، فوجب أن يكون إتباع سبيل المؤمنين ولزوم جماعتهم واجبًا، وذلك لأن الله تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين، فثبت بهذا أن إجماع الأمة حجة، وقوله: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} أي نتركه، وما اختاره لنفسه ونخذله، فلا نوفقه للخير لكونه رأى الحق وعلمه وتركه، فجزاؤه من الله عدلًا أن يبقيه في ضلاله حائرًا، ويزداد ضلالًا إلى ضلاله، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} ، وقوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ، وقوله: {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} أي نلزمه جهنم، وأصله من الصلي، وهو لزوم النار وقت الاستدفاء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت