فهرس الكتاب
المغفرة وأغلق أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات إلا مع التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئًا.
وقوله: {فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} أي: ومن يشرك بالله شيئًا فقد ضل عن القصد وبعد عن سبيل الرشد ضلالًا بعيدًا في الغواية؛ لأنه ضلال يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح، فالشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة والذهاب عن الجنة مراتب أبعدها الشرك بالله، فالشرك أقبح الرذائل كما أن التوحيد أحسن الحسنات، والسيئات تتفاوت كالسبع الموبقات، وكأكل الحرام، وشرب الخمر، والنميمة، والغيبة، والكبر؛ لكن أسوأ الكل وأقبحه الشرك بالله، ولذلك لا يغفر كما هو مبين، وإنما جعل الجزاء على ما قيل هنا، فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وفيما تقدم فقد افترى إثمًا عظيمًا لما أن تلك كانت في أهل الكتاب وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ووجوب إتباع شريعته، وما يدعو إليه من الإيمان بالله تعالى، ومع ذلك أشركوا وكفروا، فصار ذلك افتراء واختلافًا وجراءة عظيمة على الله تعالى.
وهذه الآية كانت في أناس لم يعلموا كتابًا، ولا عرفوا من قبل وحيًا، ولم يأتهم سوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق، فأشركوا بالله عز وجل، وكفروا وضلوا مع وضوح الحجة وسطوع البرهان، فكان ضلالهم بعيدًا، ولذلك جاء بعد تلك {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} ، وقوله: {انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} ، وجاء بعد هذه قوله تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا} .
وقوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا} ، وفي معنى الإناث أربعة أقوال: