فهرس الكتاب
وقوله: {مِن دُونِ اللَّهِ} قيد لازم؛ لأنه لا يمكن أن يتخذ الشيطان وليًا إلا إذا لم يتخذ الله وليًا، ولا يمكن أن يتخذ الشيطان ويتخذ الله وليًا؛ لأنهما طريقان متباينان لا يجتمعان هدى وضلال، وهذه الجملة الشرطية محذرة من إتباع الشيطان.
أورد المفسرون على هذه الآية أسئلة وأجابوا عنها:
الأول: قال إبليس لعنه الله {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} .
والنصيب المفروض هو الشيء المقدر القليل، وقال موضع آخر: لأحتنكن ذريته إلا قليلًا، وقال: لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين، وهذا استثناء القليل من الكثير فكيف وجه الجمع، فالجواب أن الكفار الذين هم حزب الشيطان وإن كانوا أكثر من المسلمين في العدد؛ لكنهم أقل من المؤمنين في الفضل والشرف والسؤود والغلبة في الدنيا وعلو الدرجة في الآخرة وأنشدوا في هذا المعنى:
وهم الأقل إذا تعد عشيرة ... والأكثرون إذا يعد السؤدد
وقيل: إن إبليس لما لم ينل من آدم ما أراد، ورأى الجنة والنار وعلم أن لهذه أهلًا ولهذه أهلًا، قال: {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} يعني الذين هم أهل النار.
السؤال الثاني: من أين لإبليس العلم بالعواقب حتى يقول لأضلنهم ولأمنينهم ولأغوينهم ولآمرنهم، وقال: ولا تجد أكثرهم شاكرين، وقال: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا} ، فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن إبليس ظن أن تقع منهم هذه الأمور التي يريدها منهم فحصل له ما ظنه، ويدل لذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ المُؤْمِنِينَ} .