فهرس الكتاب
وقوله: {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} ، الغرور لغة: الخداع، والباطل، وإظهار النفع فيما فيه الضرر، قال ابن عرفة: الغرور ما رأيت له ظاهرًا تحبه وله باطن مكروه، وهذا إخبار عن الواقع، فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، كما غر صاحب الجنتين ووسوس له، فاغتر لما رأى فيها من الزرع والثمار والأشجار والأنهار، وتوهم أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك، وقال: {مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا} وأخبر تعالى عن عمله مع آدم وحواء، فقال: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} .
وفي «سورة الحشر» ذكر مثل الشيطان، وأنه يسول للإنسان الكفر، وإذا دخل فيه تبرأ منه، وقال: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ} .
ولما أجمعت قريش المسير إلى بدر ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب تبدي لهم إبليس -لعنه الله- في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من أشراف كنانة فغرهم وخدعهم، {وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ} .
ويوم القيامة إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار يقوم إبليس رئيس الشياطين خطيبًا في محفل الأشقياء من الثقلين؛ ليزيدهم حزنًا إلى حزنهم وغبنًا إلى غبتهم وحسرة إلى حسرتهم، فيقول: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} الآية، كما قال تعالى: {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} ، فهذا ديدنه الخداع والمكر والغرور والكذب، وقد حذرنا الله تعالى عنه وأخبرنا أنه غرور، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ