فهرس الكتاب
والعلة الجامعة بينهم، والمعنى والله أعلم: ولكن كثيرًا منهم متمردون في النفاق، خارجون عن طاعة الله وأمره، لا يريدون إلا الرياسة والجاه، ويسعون إلى تحصيلهما من أي طريق قدروا عليه، ومتى سار الكثير من الأمة على طريق تبعه الباقون، إنما قال (كثيرًا) لعلمه بمن سيؤمن، مثل عبدالله بن سلام وأصحابه.
وقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} اللام في قوله {لَتَجِدَنَّ} لام القسم، تقديره: والله يا محمد إنك لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا بك وصدقوك اليهود والذين أشركوا.
ووصف الله شدة عداوة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق، وجعلهم قرناء المشركين عبدة الأصنام في العداوة للمؤمنين، وذلك حسدًا منهم للمؤمنين.
وأشد ما لاقى النبي - صلى الله عليه وسلم - من العداوة والإيذاء كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب، ولاسيما مكة وما قرب منها، وقد كان اليهود والمشركون مشتركين في بعض الصفات والأخلاق التي اقتضت عداوتهم الشديدة للمؤمنين، كالكبر، والعتو، والبغي، والحسد، وغلبة الحياة المادية، والأثرة، والقسوة، وضعف عاطفة الحنان والرحمة، والعصبية الجنسية، والحمية، ولكن مشركي العرب على جاهليتهم كانوا أرق قلوبًا نوعًا ما، وفيهم سخاء وإيثار.
وقدم سبحانه ذكر اليهود للإشارة إلى تفوقهم على العرب فيما وصفوا به، فضلًا عما زادوا فيه عليهم من قتل بعض الأنبياء و إيذاء بعض آخر، ووصف الله بما يتنزه عنه، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، واستحلالهم أموال غيرهم بالباطل وإفسادهم في الأرض.