فهرس الكتاب
فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وجماعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم، فدخل إليه عمرو، وقال له: أيها الملك، إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، وزعم أنه نبي، وإنه قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرك، وإن قومهم يسألونك أن تردهم إليهم، فقال: حتى نسألهم، فأمر بهم، فأحضروا.
فلما أتوا باب النجاشي، قالوا: يستأذن أولياء الله، فقال: ائذنوا لهم، فمرحبًا بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين: أيها الملك، ألا ترى أنا قد صدقناك، إ نهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها، فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا له: إنا حييناك بتحية أهل الجنة، وتحية الملائكة، فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو عبدالله ورسوله، وكلمة الله وروح منه، ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم إنها العذراء البتول.
قال: فأخذ النجاشي عودًا من الأرض، وقال: والله ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا العود، فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم، فقال: هل تعرفون شيئًا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا، فقرأ جعفر سورة مريم، وهنالك قسيسون ورهبان وسائر النصارى، فعرفوا ما قرأ فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل الله فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} إلى آخر الآيتين، فقال النجاشي لجعفر وأصحابه: اذهبوا، فأنتم سيوم بأرضي، يعني إنكم آمنون.
فرجع عمرو وأصحابه خائبين، وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار إلى أن هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وعلا أمره وقهر أعداءه،