الصفحة 302 من 1034

{وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ} أي ومن أظلم ممن زعم أنه يقدر على ما يقدر الله عليه، ويجاري في أحكامه، ويشرع من الشرائع كما شرعه الله، ويدخل في هذا كل من زعم أنه يقدر على معارضة القرآن، وأنه في إمكانه أن يأتي بمثله كمن قال من المشركين: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} فقد أثر عن النضر ابن الحارث أنه كان يقول: إن القرآن أساطير الأولين، فهذا ظلم عظيم، وأي ظلم أعظم من دعوى الفقير العاجز بالذات الناقص من كل وجه مشاركة القوي الغين الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه في ذاته وأسمائه وصفاته، ولما ذم تعالى الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة في حال الاحتضار، ويوم القيامة؛ لشدة جرمهم وعظيم ذنبهم، فقال: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غمرات المَوْتِ} الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم لكل من سمعه أو قرأه، أي ولو تبصر إذ يكون الظالمون سواء منهم من ذكروا في الآية أو غيرهم في غمرات الموت، وهي سكراته وما يتقدمها من شدائد وآلام تحيط بهم كما تحيط غمرات الماء بالغرق، وما يجدونه من الأهوال الفظيعة والكرب الشنيعة، لرأيت أمرًا هائلًا وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها، ولا قدرة للبيان على تجلي كهنها وحقيقتها، {وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ} أي مادوا أيديهم إلى أولئك الظالمين المحتضرين لقبض أرواحهم الخبيثة بالعنف والضرب والعذاب، وما أشار إليه في هذه الآية من العذاب صرح به في قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} ، وبين في موضع آخر أنه يُراد ببسط اليدين التناول بالسوء، كقوله: {وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ} ، وقوله: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} الآية، ثم حكى سبحانه أمر الملائكة لهم على سبيل التقريع والتوبيخ حين بسط أيديهم لقبض أرواحهم وقلعها وتعصيها عن الخروج من الأبدان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت