فهرس الكتاب
قال ابن عباس: أحل الله في هذا الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرف أو مخيلة، قال القرطبي: فأما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سكن الظمأ وسد الجوع فمندوب إليه عقلًا وشرعًا لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ لأنه يضعف البدن ويميت النفس، ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل، وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ولا نصيب من زهد؛ لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا، وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين، فقيل: حرام، وقيل: مكروه.
قال ابن العربي، وهو الصحيح: فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان، ثم قيل: في قلة الأكل منافع كثيرة، منها:
1 -أنه يكون الرجل أصح جسمًا. 2 - أجود حفظًا. 3 - أزكى فهمًا؛ لأن البطنة كما قيل: تذهب الفطنة. 4 - أقل نومًا. 5 - أخف نفسًا.
وفي كثرة الأكل مضار عديدة، منها: إضعاف المعدة، ونتن التخمة وما ينشأ عنها من العلل والأسقام والأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه المقلل من الأكل، وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء.
وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى بيانًا شافيًا يغني عن كلام الأطباء، فقال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب.
قال علماؤنا: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة.
ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان، وعلم