الصفحة 342 من 1034

والثالث: إظهار التزهد، وقد أمرنا بستره.

والرابع: أنه تشبه بهؤلاء المتزحزين عن الشريعة، ومن تشبه بقوم فهو منهم.

وقال أبو الفرج: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المترفعة ولا الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحًا، وأما اللباس الذي يزري بصاحبه، فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله، ويوجب احتقار الملابس، وكل ذلك مكروه منهي عنه.

وقال القرطبي: فإن قال قائل: تجويد اللباس هوى النفس، وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزين لِلْخَلْقِ، وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله، لا للخلق.

فالجواب: ليس كل ما تهواه النفس يذم، وليس كل ما يتزين به للناس يكره، وإنما ينهى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه، أو على وجه الرياء في باب الدين، فإن الإنسان يحب أن يرى جميلًا، وذلك حظ النفس لا يلام فيه، ولهذا يسرح شعره، وينظر في المرآة، ويسوي عمامته، ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج، وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم.

وقد روى مكحول عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار كوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء، ويسوي لحيته ورأسه، فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: «نعم، إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال» .

وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يدخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت