فهرس الكتاب
وقوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي يعز عليه الذي يعنت أمته ويشق عليها، فمن شفقته - صلى الله عليه وسلم - على أمته كراهته أشياء مخافة أن يفرض عليهم ثم لا يطيقها كثير منهم، كما سنذكر بعضه من ذلك ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - في حديث عائشة - رضي الله عنها - أنه قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه» الحديث رواه مسلم.
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» رواه الجماعة.
وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقول: جاء ثلاثة نفر إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته، فلما أخبروا، كأنهم تقالوها، قالوا: فأين نحن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» الحديث متفق عليه.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول لمن يشدد على نفسه: «إن لأهلك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، فقم ونم وصم وأفطر، فإنك لا تدري يطول بك عمر فتعجز عن ذلك، فاكلفوا أيها الناس من العمل ما تطيقونه، فإن الله لا يمل حتى تملوا» .
وكان - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يقول لأصحابه: «ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئًا يبعدكم عن الله ألا وقد نهيتكم عنه، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» .