الصفحة 381 من 1034

والآداب والمواعظ {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي يعملون أفكارهم فيما ينفعهم، وأما الغافل المعرض، فهذا لا تنفعه الآيات ولا يزيل عنه الشك البيان.

قال أحد المفسرين للآية: وهذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطامًا بعدما التف وتكاثف، وزين الأرض بخضرته ورفيقه، والتنبيه على حكمة التشبيه أن الحياة صفوها شبيبتها كما أن صفو الماء في أعلى الإناء:

ألم تر أن العمر كأس سلافة ... فأوله صفو وآخره كدر

وحقيقة تزيين جثة الطين بمصالح الدنيا والدين كاختلاط النبات على اختلاف التكوين، فالطينة الطيبة تنبت بساتين الأنس ورياحين الروح وزهرة وكروم الكرم، وحبوب الحب، وحدائق الحقيقة، وشقائق الغريقة، والخبيثة تخرج خلاف الخلف، وثمام الإثم، وشوك الشرك، وشيح الشح، وحطب العطب، ولعاب اللعب.

ثم يدعوه معاده كما يحين للحرث حصاده، فتزايله الحياة مغترًا كما يهيج النبات مصفرًا فتثبت جثته في الرمس، كأن لم تغن بالأمس، إلى أن يعود ربيع البعث، وموعد العرض والبحث، وكذلك حال الدنيا كالماء ينفع قليله ويهلك كثيره، ولابد من ترك ما زاد، كما لابد من أخذ الزاد، وأخذ المال لا يخلو من زلة، كما أن خائض الماء لا ينجو من بله، وجمعه وإمساكه تلف صاحبه وإهلاكه، فما دون النصاب كضحضاح يجاوز بلا احتماء والنصاب كنهر حائل بين المجتاز والجواز إلى المفاز، لا يمكن إلا بقنطرة وهي الزكاة، وعمارتها بذل الصلاة، فمتى اختلت القنطرة غرقته أمواج القناطير المقنطرة، وكذا المال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت