فهرس الكتاب
فراح بمن اتبعه، وتخلف بقيتهم، فبادرهم عدوهم، فأصبحوا بين أسير وقتيل».
مثال آخر للدنيا وأهلها ما مثلها به النبي - صلى الله عليه وسلم - كظل شجرة والمرء مسافر فيها إلى الله، فاستظل في ظل تلك الشجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها، فتأمل هذا المثال ومطابقته للواقع سواء فإنها في خضرتها كشجرة، وفي سرعة انقضائها وقبضها شيئًا فشيئًا كالظل، والعبد مسافر إلى ربه، والمسافر إذا رأى شجرة في يوم صائف لا يحسن أن يبني تحتها دارًا ولا يتخذها قرارًا، بل يستظل بها بقدر الحاجة، ومتى زاد على ذلك انقطع عن الرفاق.
مثال آخر للدنيا ولأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة وما يعقبهم من الحسرات:
مثل أهلها في غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم الإبطاء وخوفهم مرور السفينة فتفرقوا في نواحي الجزيرة، فقضي بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف مكانًا خاليًا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده، ووقف بعض في الجزيرة ينظر إلى أزهارها، وأنوارها العجيبة، ويسمع نغمات طيورها ويعجبه حسن أحجارها، ثم حدثته نفسه بفوت السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها، فلم يصادف إلا مكانًا ضيقًا، فجلس فيه وأكب بعضهم على تلك الحجارة المستحسنة والأزهار الفائقة، فحمل منها حمله، فلما جاء لم يجد في السفينة إلا مكانًا ضيقًا، وزاده حمله ضيقًا فصار محموله ثقلًا عليه ووبالًا ولم يقدر على نبذه، بل لم يجد من حمله بدًا ولم يجد له في السفينة موضعًا فحمله على عنقه وندم على أخذه، فلم تنفعه الندامة، ثم ذبلت الأزهار وتغيرت أرايحها، وآذاه نتنها، وتولج بعضهم في تلك الغياض ونسي السفينة وأبعد في نزهته حتى إن