الصفحة 384 من 1034

الملاح نادى عند دفع السفينة، فلم يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه، فهو تارة يتناول من الثمر، وتارة يشم تلك الأزهار، وتارة يعجب من حسن الأشجار وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه غير منفك من شوك ينشب في ثيابه ويدخل في قدميه أو غصن يجرح بدنه أو عوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته أو صوت هائل يفزعه، ثم من هؤلاء من لحق بالسفينة ولم يبق فيها موضع، فمات على الساحل، ومنهم من شغله لهوه فافترسته السباع ونهشته الحيات، ومنهم من تاه فهام على وجه حتى هلك، فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم وعاقبة أمرهم، وما أقبح بالعاقل أن تغره أحجار ونبات يصير هشيمًا، قد شغل باله وعوق عن نجاته ولم يصحبه.

مثال آخر: مثل قوم خرجوا في سفر بأموالهم وأهليهم، فمروا بواد معشب كثير المياه والفواكه، فنزلوا به وضربوا خيامهم، وبنوا هنالك الدور والقصور، فمر بهم رجل يعرفون نصحه وصدقه وأمانته، فقال: إني رأيت بعيني هاتين الجيش خلف هذا الوادي وهو قاصدكم فاتبعوني أسلك بكم على غير طريق العدو فتنجوا منه، فأطاعته طائفة قليلة، فصاح فيهم يا قوم، النجاة النجاة، أتيتم أتيتم، وصاح السامعون له بأهليهم وأولادهم وعشائرهم، فقالوا: كيف نرحل من الوادي وفيه مواشينا وأموالنا ودورنا وقد استوطناه؟ فقال لهم الناصح: لينج كل واحد منكم بنفسه ما خف من متاعه، وإلا فهو مأخوذ وماله مجتاح، فثقل على أصحاب الجد والأموال ورؤساء القوم النقلة ومفارقة ما هم فيه من النعيم والرفاهية والدعة، وقال كل أحمق له أسوة بالقاعدين فهم أكثر مني مالًا وأهلًا، فما أصابهم أصابني معهم، ونهض الأقلون مع الناصح، ففازوا بالنجاة، وصبح الجيش أهل الوادي فقتلهم، واجتاح أموالهم.

مثال آخر: قوم سلكوا مفازة، فاجأهم العطش فانتهوا إلى البحر وماؤه أمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت