الصفحة 385 من 1034

شيء وأملحه، فلشدة عطشهم لم يجدوا مرارته وملوحته، فشربوا منه، فلم يرووا وجعلوا كلما ازدادوا شربًا ازدادوا ظمأ حتى تقطعت أمعاؤهم وماتوا عطشًا، وعلم عقلاؤهم أنه مر مالح، وأنه كلما ازداد الشارب منه ازداد ظمؤه، فتباعدوا عنه مسافة حتى وجدوا أرضًا حلوة فحفروا فيها قليبًا، فنبع لهم ماء عذب فرات، فشربوا وعجنوا وطبخوا ونادوا إخوانهم الذين على حافة البحر هلموا إلى الماء الفرات، وكان منهم المستهزئ ومنهم المعرض الراضي بما هو فيه، وكان المجيب واحدًا بعد واحد، وهذا المثل بعينه قد ضربه المسيح - عليه السلام ـ، فقال: طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى يقتله. وقال ابن القيم - رحمه الله:

ولو تبصر الدنيا وراء ستورها ... رأيت خيالًا في المنام سيصرم

كحلم وطيف زارا في النوم وانقضى ... المنام وراح الطيف والصب مغرم

وظل أرته الشمس عند طلوعها ... سيقلص في وقت الزوال ويفصم

ومزنة صيف طاب منها مقيلها ... فولت سريعًا والحرور تضرم

ومطعم طيب لذ عند مساغه ... وبعد قليل حاله تلك تعلم

كذا هذه الدنيا كأحلام نائم ... ومن بعدها دار البقاء ستقدم

فجزها ممرًا لا مقرًا وكن بها ... غريبًا تعش فيها حميدًا وتسلم

أو ابن سبيل قال في ظل دوحة ... وراح وخلى ظلها يتقسم

أخا سفر لا يسقر قراره ... إلى أن يرى أوطانه ويسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت