الصفحة 402 من 1034

يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ.

وجاء في الحديث الآخر: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» ، والبغي من منكرات الذنوب العظام، قال بعضهم: لو بغى جبل على جبل لا ندك الباغي، وقد نظم بعضهم هذا المعنى شعرًا:

يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فارجع فخير مقال المرء أعدله

فلو بغى جبل يومًا على جبل ... لا ندك منه أعاليه وأسفله

ثم ختم هذه الآية بقوله: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي يعظكم بما ذكره في هذه الآية ونهاكم عنه، فإنها كافية في باب الوعظ والتذكير، فهذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها، فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى، فهي مما أمر الله به، وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر أو بغي، فهي مما نهى الله عنه، وبها يعلم حسن ما أمر الله به، وقبح ما نهى الله عنه، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال، وترد إليها سائر الأحوال.

وبعد أن ذكر المأمورات والمنهيات بطريق الإجمال في الآية الأولى ذكر بعضها على سبيل التخصيص، فقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} أي أوفوا بميثاق الله إذا واثقتموه وعقده إذا عاقدتموه، فأوجبتم به على أنفسكم حقًا لمن عاقدتموه وواثقتموه عليه، ويدخل في هذا جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها إذا كان بها برًا، ويشمل ما تعاقد عليه هو وغيره كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد ويوكده على نفسه، فعليه في ذلك كله الوفاء؛ لأن المسلم إذا أبرم عقدًا فيجب أن يحترمه، وإذا أعطى عهدًا فيجب أن يلتزمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت