الصفحة 448 من 1034

عباده، وحكمه الأمري الديني الذي أنزل في الكتاب، وكان هذا من آثار ملكه وعظيم نعمته نزه نفسه عن مماثلة مخلوقاته في شيء من الأشياء، فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ} أي جل وتقدس وارتفع عن كل نقس وعيب وآفة، وجل عن إلحاد الملحدين، وعما يقوله المشركون والمبتدعون في صفاته.

فإنه الملك الذي بيده الثواب والعقاب، الذي لا يزول ملكه ولا يتغير، وليس بمستفاد من قبل الغير، ولا غيره أولى به منه، وكل ملك سواه يملك بعض الأشياء، ويبيد ملكه ويفنى.

{الحَقُّ} أي وجود وملكه وكماله حق، فصفات الكمال لا تكون حقيقة إلا لذي الجلال والإكرام، ومن ذلك الملك.

وقوله: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} هذا كقوله تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} .

وثبت في «الصحيح» عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعالج من الوحي شدة فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية، يعني أنه -عليه الصلاة والسلام- كان إذا جاء جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه، فقال: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ، والمعنى: لا تبادر بتلقف القرآن حين يتلوه عليك جبريل، واصبر حتى يفرغ منه، فإذا فرغ منه فاقرأه، فإن الله قد ضمن جمعه لك في صدرك وقراءتك إياه.

ولما كان عجلته - صلى الله عليه وسلم - بتلقف القرآن دالة على محبته التامة ورغبته في العلم وحرصه عليه أمره الله أن يسأله الزيادة من العلم، فقال: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت