فهرس الكتاب
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعًا ... فكم تحتها قوم هموا منك أرفع
وإن كنت في عز وحرز ومنعة ... فكم مات من قوم هموا منك أمنع
وقال عبدالله بن المبارك عن معمر عن عمر بن المختار، عن الحسن البصري في قوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} الآية، قال: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم والله لأصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة.
فقالوا: {الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ} ، أما والله ما أحزنهم! ما أحزن الناس! ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، ولكن أبكاهم الخوف من النار، إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم ومشرب، فقد قل علمه، وحضر عذابه.
وقوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} أي إذا خاطبهم السفهاء وقليلوا الأدب بما يكرهونه {قَالُوا سَلامًا} أي سداد من القول يسلمون فيه من الإثم، ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله، بل يتحملون ما يرد عليهم من الأذى.
وكان - صلى الله عليه وسلم - لا تزيده شدة الجاهل إلا حلمًا، من ذلك ما في «الصحيحين» ، قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم قسمًا إذا أتاه ذو الخويصرة -رجل من بني تميم-، فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ويلك من يعدل إن لم أعدل، لقد خبت وخسرت إذا لم أعدل، فمن يعدل؟» فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: يا رسول الله، ائذن لي فيه، فأضرب عنقه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «دعه» .