فهرس الكتاب
وهذا أيضًا من صفات المؤمنين، المعنى أنهم إذا وعظوا القرآن والأدلة التي نصبها الله لهم نظروا فيها وتفكروا في مقتضاها ولم يقعوا عليها صمًا كأنهم لم يسمعوها، وعميانًا كأنهم لم يروها لكنهم سمعوها وأبصروها وتدبروها وانتفعوا بها، فحالهم عند سماعهم له، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} .
وقال تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًا} .
الخلاصة: أنهم يقابلونها بالقبول والافتقار إليها والانقياد والتسليم لها، وتجد عندهم آذانًا سامعة، وقلوبًا واعية فيزداد بها إيمانهم، ويتم بها إيقانهم، وتحدث لهم نشاطًا ويفرحون بها سرورًا واغتباطًا.
وفي هذا تعريض بما عليه الكفار والمنافقون الذين إذا سمعوا كلام الله لم يتأثروا به ولم يتحولوا عما كانوا عليه، بل يستمرون على كفرهم وعصيانهم وجهلهم وضلالهم، فكأنهم صم لا يسمعون، وعمى لا يبصرون.
وقوله: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} أي يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام فيعملوا بطاعته، فتقر أعينهم بهم في الدنيا والآخرة.
قال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالًا، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين لله.
وسُئل الحسن البصري عن هذه الآية، فقال: أن يري الله العبد المسلم من زوجته، ومن أخيه، ومن حميه طاعة الله، لا والله لا شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدًا وولد ولد أو أخًا أو حميًا مطيعًا لله عز وجل، وإذا استقرأنا حالهم وصفاتهم وعرفناهم من هممهم وعلو مرتبتهم أن دعاءهم لذرياتهم في صلاحهم، فإنه دعاء لأنفسهم؛ لأن نفعه يعود عليهم، ولهذا جعلوا ذلك هبة