الصفحة 479 من 1034

لهم، فقالوا: هب لنا، بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين؛ لأن صلاحهم يكون سببًا لصلاح كثير ممن يتعلق بهم وينتفع بهم.

وقوله: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} أي هداة مهتدين دعاة إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديًا إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر ثوابًا وأحسن مآبا.

ولهذا ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده، أو صدقة جارية» .

وقيل: أئمة يقتدى بنا في الخير، وإقامة مراسيم الدين بإفاضة العلم والتوفيق للعلم، وهذه الدرجة العالية التي سألوها هي درجة الصديقين والكُمَّلِ مِن عِباد الله الصالحين وهي درجة الإمامة في الدين وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم، يقتدى بأفعالهم ويطمئن لأقوالهم.

ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون، ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيء دعا بما لا يتم إلا به، وهذه الدرجة درجة الإمامة في الدين لا تتم إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} .

فهذا الدعاء يستلزم من الأعمال الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على أقدار الله المؤلمة، ومن العلم التام الذي يوصل إلى درجة اليقين خيرًا كثيرًا وعطاءً جزيلًا، وأن يكونوا في أعلا ما يمكن من درجة الخلق بعد الرسل -عليهم الصلاة والسلام-.

ولما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من الصفات الجميلة والأفعال الجليلة ذكر إحسانه إليهم بقوله: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا}

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت