الصفحة 511 من 1034

ويقين بلا تردد، وتفويض بلا تدبير، وهذا مقام لا يحكمه إلا من وفقه الله.

وقال آخر: الاستقامة إتباع الحق والقيام بالعدل ولزوم المنهج القويم، وهذا أيضًا مقام عظيم وخطب جسيم لا يكون إلا لمن وفقه الله لذلك.

وقال آخر: الاستقامة كمقام الشكر وهو صرف العبد في كل ذرة ونفس جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله من عبادة مولاه ما يستطيع على الوجه الأقوم والطريق الأكمل، وهذا أيضًا مقام عزيز.

ولذلك قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية هي أشد عليه من هذه الآية؛ ولذلك قال: «شيبتني هود وأخواتها» ، وهي: الواقعة، والحاقة، وسأل سائل، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، والقارعة.

قال العلماء: ولعل ذلك لما فيهن من التخويف العظيم والوعيد الشديد باشتمالهن مع قصرهن على أحوال الآخرة وأهوالها وفظائعها وشدائدها وقلاقلها، وبيان أحوال الهالكين والمعذبين مع ما اشتملت عليه هود من الأمر بالاستقامة كما أمره مولاه؛ لأن قوله تعالى: {كَمَا أُمِرْتَ} يدل على أن الاستقامة تكون بحسب المعرفة.

فمن كملت معرفته بمولاه عظم عنده أمره ونهيه، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف، فإذا سمع {كَمَا أُمِرْتَ} علم أنه مطالب باستقامة تليق بمعرفته بعظمة سيده وجلال مولاه.

وقال بعض العلماء: إن القول الجامع للأقوال التي فسرت فيها الاستقامة، أن الاستقامة: هي المتابعة للطريقة المحمدية مع التخلق بالأخلاق المرضية، لا سيرًا مع الهوى والابتداع، فإن السير مع الهوى يعمي عين القلب، فلا يميز بين السُّنة والبدعة، ولا يفرق بين الخير والشر، بل ينكس القلب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت