فهرس الكتاب
ثم ضرب لهذا مثلًا يتبين به خطؤهم في طلب الاصطفاء بحسب ما يقترحون ويهوون لمن يشاءون، فقال مبينًا ذلك وأنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق، والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} .
ثم ذكر الحكمة في رفع درجات بعضهم بعضًا، فقال: {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًا} أي ليستعمل بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين، فجعل البعض محتاجًا إلى البعض لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا وبالعكس، ويصنع هذا لهذا، ويعطي هذا لهذا حتى يتعايشوا، ويترافدوا، ويصلوا إلى مرافقهم.
قال الشاعر:
الناس للناس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض وإن لم يشعر واخدم
وكل عضو لأمر ما يمارسه ... لا مشي الكف بل تمشي القدم
وقال الآخر:
إذا ما تبينا الأمور تكشفت ... لنا وأمير القوم للقوم خادم
وإذا كان الله سبحانه هو الذي قسم بينهم أرزاقهم ورفع درجات بعضهم على بعض، فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر النبوة وتفويضها إلى من يشاء من خلقه.
ثم علل ما سلف بقوله: {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} ، وفي قوله: {رَحْمةِ رَبِّكَ} قولان:
أحدهما: النبوة خير من أموالهم التي يجمعونها، قاله ابن عباس.