فهرس الكتاب
ثم قال جل ذكره مسليًا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - عن امتناع المكذبين عن الاستجابة له، وأنهم لا خير فيهم، ولا فيهم ذكاء يدعوهم إلى الهدى، فقال: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي العُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} أي ليس ذلك إليك، فلا يضيق صدرك إن كفروا، فإنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكم العدل في ذلك.
وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يبالغ في دعاء قومه إلى الإيمان، وهم لا يزيدون إلا غيًا وتعاميًا عما يشاهدن من دلائل نبوته وتصامما عما يسمعون من بينات القرآن، المعنى: أن هؤلاء الكفار بمنزلة الذين لا يعقلون ما جئت به، وبمنزلة العمي الذي لا يبصرون لإفراطهم في الضلالة، ولتمكنهم من الجهالة.
فهؤلاء قد فسدت فطرهم وعقولهم بإعراضهم عن الذكر، واستحدثوا عقائد فاسدة، وصفات خبيثة تمنعهم وتحول بينهم وبين الهدى، وتوجب لهم الازدياد من الردى، ولم يبق إلا عذابهم ونكالهم، إما في الدنيا، وإما في الآخرة.
ولهذا قال مسليًا لهم: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ} أي فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم ونشفي بذلك صدرك وصدور المؤمنين، فإنا منهم منتقمون لا محالة، {أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ} أي أو نرينك في حياتك الذي وعدناهم من العذاب، {فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ} أي قادرون على هذا وهذا.
قال قتادة: إن الله أكرم نبيه بأن لم يريه تلك النقمة، ولم يريه في أمته شيئًا يكرهه، ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم - صلى الله عليه وسلم -.
قال: وذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُري ما يصيب أمته من بعده، فما رئي ضاحكًا متبسطًا حتى قبضه الله عز وجل.
وقيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُري الانتقام منهم، وهو ما كان من نقمة الله من