فهرس الكتاب
مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ يحتمل أن المعنى أن أهل الجنة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ذلك راضين به قد قرت به أعينهم، وفرحت به نفوسهم ولم يطلبوا منه بدلًا ولا يبغون عنه حولًا وكل قد ناله من النعيم ما لا يطلب عليه مزيد.
ويحتمل أن هذا وصف المتقين في الدنيا وأنهم آخذين ما آتاهم ربهم من الأوامر والنوهي أي تلقوها بالإنشراح والارتياح والاشتياق والانقياد، لما أمر الله به بالامتثال على أكمل الوجوه.
ولما نهى عنه بالإنزجار على أكمل الوجوه، والمعنى الأول أرجح؛ لأه أليق بالسياق؛ لأن ذكر أعمالهم في الدنيا بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} أي إنهم كانوا في دار الدنيا يفعلون صالح الأعمال من الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، فالإحسان في عبادة الله فسره - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» .
وأما الإحسان إلى عباد الله فهو إما أن يكون بإيصال النفع الديني والدنيوي، ويدخل فيه إنفاق العلم بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه البر والمشاريع الخيرية والعبادات، وإما أن يكون بدفع الضر عنهم حسب الاستطاعة أو بهما جميعًا حتى أنه يدخل في ذلك الإحسان بالقول والكلام اللين والإحسان إلى الممالك والبهائم المملوكة وغير المملوكة.
ثم إنه تعالى بين إحسانهم في العمل، فقال جل وعلا: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} فهم الإيقاظ في جنح الظلام والناس نيام، المتوجهون إلى ربهم، الشديدي الحساسية برقابة ربهم ورقابتهم لأنفسهم فلا يهجعون في ليلهم إلا يسيرًا ولا يطعمون الكرى إلا قليلًا، كما قال تعالى في الآية الأخرى: