فهرس الكتاب
فقال لي قائل: الذين رأيتهم مكتسون فهم المصلون بين الأذان والإقامة، والذين وجوههم مشرقة، فأصحاب السهر والتهجد، قال: ورأيت أقوامًا على نجائب، فقلت: ما بال هؤلاء ركبانًا والناس مشاة حفاة؟ فقال لي: هؤلاء الذين قاموا على أقدامهم تقربًا إلى الله تعالى، فأعطاهم الله بذلك خير الثواب، قال: فصحت في منامي واها للعابدين، ما أشرف مقامهم! ثم استيقظت من منامي وأنا خائف.
وروي عن بعض المتهجدين أنه أتاه آت في منامه، فأنشده:
وكَيْفَ تَنَامُ العَيْنُ وهْيَ قَرِيْرَةٌ ... ولَمْ تَدْرِ فِي أيِّ المَكَانَيْنِ تَنْزِلُ
ثم مدحهم ثانيًا، فقال: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فيه إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك، وأخلص منه ويستغفرون الله استغفار المذنب لذنبه، وهذه سيرة الكرماء يأتون بما يقدرون عليه من وجوه الكرم ويستقلونه ويعتذرون من التقصير، وعكسهم اللئام يأتون بالقليل ويستكثرونه ويمنون به.
وللاستغفار بالأسحار فضيلة وخصيصة ليست لغيره، كما قال تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة والمستغفرين بالأسحار، وقد ثبت في الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله حتى يطلع الفجر» ، وقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال لبنيه: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ} ، قالوا: أخرهم إلى وقت السحر.
ولما ذكر حالهم مع ربهم بوصفهم بالصلاة، وبذكر حالهم مع الناس،