في الآيات الدالة على الله وقدرته ووحدانيته، الذين قال الله عنهم: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} .
وقوله: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} أي في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال آيات تدل على توحيد الله وصدق ما جاءت به الرسل، هذا المخلوق الإنساني، وهذه المخلوقات العجيبة الأخرى التي تدب على الأرض لكن يغفل عن قيمته، وعن أسراره الكامنة في كيانه حين يغفل قلبه عن الإيمان وحين يحرم نعمة اليقين إنه عجيب في تكوينه.
قال ابن القيم - رحمه الله: وإذا تأملت ما دعى الله سبحانه في كتابه عباده إلى التفكر فيه، أوقعك على العلم به سبحانه وتعالى وبوحدانيته وصفات كماله ونعوت جلاله من عموم قدرته وعلمه وكمال حكمته، ورحمته، وإحسان، وبره، ولطفه، وعدله، ورضاه وغضبه، وثوابه وعقابه.
فبهذا تعرف إلى عباده وندبهم إلى التفكر في آياته، ونذكر لذلك أمثلة مما ذكرها الله سبحانه في كتابه ليستدل بها على غيرها فمن ذلك خلق الإنسان، وقد ندب سبحانه إلى التفكر فيه والنظر في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} .
وقوله: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} ، ثم ساق آيات أخر قال بعد فلم يكرر سبحانه على أسماعنا وعقولنا ذكر هذا؛ لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب، ولا لنتكلم بها فقط، ولا لمجرد تعريفنا بذلك، بل لأمر وراء ذلك كله، هو المقصود بالخطاب، وإليه جرى ذلك الحديث.
فانظر الآن إلى النطفة بعين البصيرة وهي قطرة من ماء مهين، أي ضعيف مستقذر لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت، وأنتنت كيف استخرجها رب الأرباب العليم القدير من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته