فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن، رقيق الأمعاء لين الأعضاء.
وقال ابن القيم - رحمه الله - في كتابه «مفتاح السعادة» :
وانظر كيف قسم تلك الأجزاء المتشابهة المتساوية إلى: الأعصاب، والعظام، والعروق، والأوتار، واليابس، واللين وبين ذلك، ثم كيف ربط بعضها ببعض أقوى رباط وأشده وأبعده عن الإنحلال وكيف كساها لحمًا ركبه عليها، وجعله وعاء لها وغشاء وحافظًا وجعلها حاملة له مقيمة له، فاللحم قائم بها وهي محفوظة به.
وكيف صورها فأحسن صورها وشق لها السمع والبصر والفم والأنف، وسائر المنافذ، ومد اليدين والرجلين وبسطهما، وقسم رءوسهما بالأصابع ثم قسم الأصابع بالأنامل، وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة والأمعاء، كل واحد منها له قدر يخصه ومنفعة تخصه.
ثم انظر الحكمة البالغة في تركيب العظام قوامًا للبدن وعمادًا له، وكيف قدرها ربها وخالقها بتقادير مختلفة وأشكال مختلفة، فمنها: الصغير والكبير والطويل والقصير، والمنحنى والمستدير، والدقيق والعريض، والمصمت، والمجوف، وكيف ركب بعضها في بعض، فمنها ما تركيبه تركيب الذكر في الأنثى، ومنها ما تركيبه اتصال فقط.
وكيف اختلف أشكالها باختلاف منافعها كالأضراس فإنها لما كانت آلة للطحن جعلت عريضة، ولما كانت الأسنان آلة للقطع جعلت مستدقة محددة، ولما كان الإنسان محتاجًا إلى الحركة بجملة بدنه، وببعض أعضائه للتردد في حاجته لم يجعل عظامه عظمًا واحدًا، بل عظامًا متعددة، وجعل بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة، وكان قدر كل واحد منها وشكله على حسب الحركة