فهرس الكتاب
وعظمته وعظمة ملكه وسلطانه، ومما يوجب أن يؤله ويعبد، وأن يبذل الجهد في محابه ومراضيه، ويفرد بالمحبة والتعظيم والخوف والرجاء، وجميع أنواع العبادة.
قال ابن القيم: فانظر إلى هاتين الآيتين وما تضمناته من العبر والدلالات على ربوبية الله وحكمته، كيف جعل الله سكنًا ولباسًا، يغشي العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسباتها، وتطلعت إلى معايشها وتصرفها، جاء فالق الإصباح سبحانه وتعالى بالنهار يقدم جيشه بشير الصباح فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق، وكشفها عن العالم، فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة دالة على قدرة الله سبحانه على الميعاد الأكبر، وتكرره ودوام مشاهدة النفوس له بحيث صار عادة ومألفًا منعها من الاعتبار به والاستدلال به على النشأة الثانية وإحياء الخلق بعد موتهم، ولا ضعف في قدرة القادر التام القدرة، ولا قصور في حكمته ولا في علمه يوجب تخلف ذلك، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهذا أيضًا من آيات الله الباهرة أن يعمي عن هذه الآيات البينة من شاء من خلقه، فلا يهتدي بها ولا يبصرها، وبهذا يعرف الله عز وجل، ويشكر ويحمد، ويتضرع إليه ويسأل. اهـ.
وقوله: {وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ} : هي السفن والمراكب ونحوها مما ألهم الله عباده صنعتها، وخلق لهم من الآلات ما أقدرهم عليها وسخر لهم هذا البحر العظيم، والرياح التي تحملها بما فيها من الركاب والبضائع والأموال التي هي من منافع الناس، وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم به معايشهم.