الصفحة 63 من 1034

وقائد السفن وسائقها الرياح التي سخرها الله لإجرائها، فلو وقف الهواء عن السفن لظلت راكدة على وجه الماء، كما قال تعالى: {وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فما أعظمها من آية وأبينها من دلالة على قدرة الله ورحمته وعنايته ولطفه بخلقه، وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له، والخوف والرجاء، وجميع أنواع العبادة والذل والخضوع.

وقوله: {وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي وفيما أنزل الله من ماء، وهو المطر، وقد وصف الله سبحانه وتعالى في آية أخرى كيف ينزل، فقال: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ} .

قال ابن القيم -رحمه الله-: ثم تأمل الحكمة البالغة في نزول المطر على الأرض من علو ليعم بسقيه وهادها وتلواها وظرابها وآكامها ومخفضها ومرتفعها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها من ناحية من نواحيها لما أتى الماء على الناحية المرتفعة، إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر، وفي ذلك فساد، فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها.

وقال -رحمه الله-: ثم تأمل الحكمة البالغة في إنزاله بقدر الحاجة حتى إذا أخذت الأرض حاجتها منه وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها أقلع عنها وأعقبه بالصحو، فهما -أعني الصحو والغيم- يتعاقبان على العالم؛ لما فيه صلاحه، ولو دام أحدهما كان فيه فساده، فلو توالت الأمطار لأهلكت جميع ما على الأرض، ولو زادت على الحاجة أفسدت الحبوب فأحدثت ضروبًا من الأمراض وفسد أكثر المأكل، وتقطعت المسالك والسبل، ولو دام الصحو لجفت الأبدان، وغيض الماء، وانقطع معين العيون والآبار والأنهار والأودية. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت