الصفحة 64 من 1034

وكل أرض لا ينزل عليها الماء من السماء، ولا يجري فيها الماء من الأرضين الممطورة تكون خالية من النبات، فبنزول الماء على هذا النحو المشاهد، وكونه سببًا في حياة الحيوان والنبات أعظم دلالة على وحدانية المخترع المبدع ورحمته ولطفه بعباده، وقيامه بمصالحهم، وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه.

وقوله: {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ} أي وفيما بث فيها: أي نشر وفرق في الأرض من الدواب المتنوعة المحكمة المتقنة خلقه، ما هو دليل لمن تأمل ذلك على قدرة الله وعظمته ووحدانيته وعلمه وقوته وسلطانه العظيم، وسخرها للناس ينتفعون بها، فمنها ما يأكلون لحمه ويشربون من لبنه وما يركبونه، ومنها ما هو ذكر الله جل وعلا: {فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} ومنها ما هو ساع في مصالحهم وحراسنهم، ومنها ما يعتبر به، وغير ذلك من المنافع، وهو سبحانه يعلم ذلك كله، وهو القائم بأرزاق المتكفل بأقواتهم، قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} .

وقوله: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} تصريفها إرسالها عقيمًا تارة، وملقحة أخرى، وصرًا ونصرًا وهلاكًا، وحارة وباردة، وعاصفة ولينة، وقيل: تصريفها إرسالها جنوبًا وشمالًا، ودبورًا وصبًا ونكباءً، وهي التي تأتي بين مهبي ريحين، وسميت ريحًا؛ لأنها تريح النفوس.

قال شريح: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح، والبشارة في ثلاث من الرياح: في الصبا، والشمال، والجنوب، أما الدبور: فهي الريح العقيم، لا بشارة فيها، وتأمل كم سخر للسحاب من ريح حتى أمطر، فسخرت له المثيرة أو لا فتثيره بين السماء والأرض، ثم سخرت له الحاملة التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت