الصفحة 65 من 1034

تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية، ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يجتمع بعضه إلى بعض فيصير طبقًا واحدًا، ثم سخرت الملقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الأنثى فتلقحه بالماء ثم سخرت المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى حيث وتفرقه في الجو فلا ينزل مجتمعًا، ولو نزل جملة لأهلك المساكن والحيوان والنبات، بل تفرقه فتجعله قطرًا، وكذلك الرياح التي تلقح الشجر والنبات، ولولا الله ثم لولاها لكانت عقيمة.

ومن منافعها سوق السفن كما مر، وتجفيف ما يحتاج إلى جفاف وتبريد الماء، وإضرام النار التي يرد إضرامها.

وبالجملة، فحياة ما على الأرض من نبات وحيوان بالرياح، فإنه لولا تسخير الله لها لعباده لذوي النبات، ومات الحيوان، وفسدت المطاعم، وأنتن العالم وفسد، ألا ترى إذا ركدت الرياح كيف يحدث الكرب والغم الذي لو دام لأتلف النفوس، وأسقم الحيوان، وأمرض الأصحاء، وأنهك المرضى، وأفسد الثمار وعفن الزرع، وأحدث الوباء في الجو. اهـ بتصرف.

إذا فهمت ذلك، فاعلم أن الذي صرفها هذا التصريف وأودع فيها من منافع العباد ما لا يستغنون عنهن وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات، وتصلح الأبدان، والأشجار، والحبوب والثمار والنوابت، هو الله العزيز الحكيم الرؤوف الرحيم اللطيف بعباده، المستحق للعبادة وحده لا شريك له، المستحق للمحبة والإنابة والخضوع لعظمته.

وقوله: {وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} أي وفي تسخير السحاب بين السماء والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير فيسوقه الله إلى حيث شاء، فيحيى به البلاد والعباد، ويروي به التلول والوهاد وينزله على الخلائق وقت حاجتهم إليه، فإذا كان يضربهم أمسكه عنهم، فينزله رحمة ولطفًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت