فهرس الكتاب
ويصرفه عناية، فما أعظم سلطانه وأغزر إحسانه وألطف امتنانه، ومن تدبر هذه المخلوقات وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات، وازداد تأمله للصنعة، وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة علم بذلك أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها آيات دالة على ما أخبر به عن نفسه ووحدانيته، وما أخبر به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مسخرات ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومسخرها ومصرفها، وعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه جل وعلا وتقدس.
أخرج ابن أبي الدنيا، وابن مردويه عن عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ هذه الآية، قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» .
وفيها تعريض بجهل المشركين الذين اقترحوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - آية تصدقه، وتسجل عليهم بسخافة العقول، وإلا فمن تأمل في تلك الآيات العظيمات التي الواحدة منها تكفي دليلًا على وجوده تعالى ووحدانيته وسائر صفات كماله الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى، وجد كلًا منها مشتملًا على وجوه كثيرة من الدلالة على وحدانية الله وسائر صفاته.
تأمل سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل
وقد كان فيها لو تأملت خطها ... ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذَابِ} بعد أن ذكر سبحانه فيما تقدم من ظواهر الكون ما يدل بعضه، فكيف كله! على توحيده جل وعلا، ورحمته،