فهرس الكتاب
وحكمته، وقوته، وعلمه، وقدرته، أخبر أنه مع هذا الدليل الظاهر قد وجد من لا ينظر ولا يعقل تلك الآيات التي أقامها، برهانًا على وحدانيته فيحيد عن التوحيد الذي يوحي به كل ما في الوجود عند التأمل والتفكير، فاتخذ مع الله ندًا يعبده من الأصنام كعبادة الله ويساويه به في المحبة والتعظيم، والمحبة المذكورة: هي المحبة الشركية المستلزمة للخوف والتعظيم والإجلال والإيثار على مراد النفس، وهذه صرفها لغير الله شرك أكبر ينافي التوحيد بالكلية؛ لأنها من أعظم أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله.
وفي الآية قولان:
أحدهما: والذين آمنوا أشد حبًا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله.
والثاني: والذين آمنوا أشد حبًا لله من محبة أهل الأنداد لله؛ لأن محبة المؤمنين خالصة لله، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة أشد من المشتركة بلا شك ولا ريب.
فمن قال بالقول الأول لم يثبت للكفار محبة الله تعالى، ومن قال بالقول الثاني أثبت للكفار محبة الله تعالى، لكن جعلوا الأصنام شركاء له في الحب.
وكان شيخ الإسلام يرجح القول الأول، ويقول: إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له، وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم، وهم في النار يقولون لآلهتهم وأندادهم وهي محضرة في العذاب: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ العَالَمِينَ} [الشعراء: 97، 98] ، ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم، وهذا أيضًا هو العدل المذكور في قوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] أي