الصفحة 91 من 1034

والعلن، إذ أن الصائم لا رقيب عليه إلا ربه، فإذا ترك الشهوات التي تعرض له من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وزوجة جميلة امتثالًا لأمر ربه شهرًا كاملًا، ولولا ذاك لما صبر عنها وهو في أشد الشوق إليها، فحري بمن يتكرر منه ذلك أن يتعود الحياء من ربه والمراقبة له في أمره ونهيه، وفي ذلك تكميل له وضبط للنفس عن شهواتها وشدة مراقبتها لبارئها فمما اشتمل عليه الصيام في التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها التي تميل إليها نفسه متقربًا بذلك إلى الله راجيًا بتركها ثوابه.

ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ ولهذا ثبت في «الصحيحين» : «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» .

ومنها: أن الغني إذا ذاق الجوع فربما أوجب له ذلك مواساة الفقراء، وهذه من خصال التقوى.

ومنها: أن من اعتاد الحياء من ربه والمراقبة له في أمره ونهيه في السر والعلن لا يقدم غالبًا على غش الناس ومخادعتهم ولا على أكل أموالهم بالباطل ولا على اقتراف المنكرات واجتراح السيئات، وإذا ألم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الرجوع بالتوبة النصوح، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} ولما للصوم من جليل الأثر في تهذيب النفس، جاء في الحديث: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» ، وجاء في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به» .

ومنها: أن الصيام يفني المواد الراسبة في البدن، ولاسيما في أجسام المترفين أولي النعم قليل العمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت