والخلاصة، أن الاستحسان ليس دليلا خارجا عن الأدلة الشرعية، قال الشاطبي: ( فهذا كله يوضح لك أن الاستحسان غير خارج عن مقتضى الأدلة، إلا أنه نظر في لوازم الأدلة ومآلاتها ) (1) .. وقال أيضا: ( فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة، في أمثال تلك الأشياء المفروضة، كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمرا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحة من جهة أخرى، أو جلب مفسدة كذلك ) (2) .
شرعية العرف:
العرف يستند إليه في الاجتهاد، وهو أنواع: منها ما اعتبرها الشارع ومنها ما لم يعتبرها.. العرف المعلل بمقاصده ومصالحه المعتبرة، هو العرف المقبول شرعا، وليس عموم أي عرف، فالعمل بالعرف ليس مبررا لاعتبار المصلحة مستقلة عن التشريع، بل هي متضمنة فيه، لما قلناه من أن العرف المعول عليه هو العرف المقبول.
وبالنظر إلى حقيقة العرف المقبول في الشريعة الإسلامية، سواء من حيث أنواعه، أو من حيث ثبوت حجيته بالنصوص الشرعية أو غير ذلك، يمكن القول: بأنه ليس مبنيا على الهوى والرأي ومستجدات الواقع واختلاف البيئات بلا ضابط وحد كما يقال ويزعم.
* العرف المقبول شرعا يستند من حيث المبدأ إلى شواهد من القرآن والسنة القولية والفعلية والتقريرية، التي أقرت بحجيته وحقيته في الاحتجاج والاستدلال والاجتهاد، من ذلك قوله تعالى: ( خذ العفو وأمر بالعرف ) ، وغير ذلك من أدلة القرآن والسنة (1) .
ـ العرف في كلام الفقهاء واصطلاحهم، هو الذي ثبت اعتباره شرعا بأوجه عديدة، منها
أن يكون العرف نفسه دليلا أو حكما شرعيا بأن أوجده الإسلام ابتداء، أو كان موجودا فيهم وأقره وأثبته، ومثال الأول: القسامة والدية والطواف بالبيت وستر العورة، ونفقة الزوج على الزوجة والقصاص والحدود في الجنايات.. ومثال الثاني: أحكام الطهارة والحجاب والمضاربة (2) .