وقد تأول أولئك الكثير من الشواهد والأمثلة التي أعمل فيها النظر المقاصدي والتفسير المصلحي من قبل علماء الأمة، سلفا وخلفا، ولا سيما من قبل كبار الصحابة والتابعين كعمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وابن مسعود والنخغي وربيعة الرأي وغيرهم رضي الله عنهم من أفاضل الرعيل الأول وخيار كافة أجيال الأمة، لقربهم -فهما ومعايشة وخبرة وصلاحا- من عهد الرسالة المباركة والصحبة النبوية الشريفة.
والرد المبدئي على ذلك الادعاء، هو أن تلك التطبيقات لم تكن لتشذ عن طبيعة المنهج الإسلامي الأصيل وقواعده العامة، ولم تكن لتبرر القول بالاعتماد المطلق على المصلحة من غير ضوابط وقيود، وإنما كانت مندرجة ضمن طبيعة الاجتهاد الشرعي الأصيل، من حيث تدقيق النظر وعمق الفهم، ورسوخ العلم بحيثيات النصوص ومراميها، وبملابسات الوقائع وقرائنها، وبدقائق النفس وخباياها.
والاجتهاد المصلحي في تلك التطبيقات، لا يكون مبنيا على غير ثلاثة أمور:
أن يكون النص ظنيا يحتمل عدة مدلولات ومعان، فيكون تحديد إحداها أو بعضها بناء على ما فيها من مصالح ومنافع، وفي هذه الحالة ليس هناك ما يدعو إلى القول بأن المصالح قد نشأت من فراغ أو هوى أو نزوة .
-أن يكون النص منوطا بعلة أو وصف أو حكمة أو أي أمر يدور معه وجودا وعدما، فيكون العدول عن النص بموجب انتفاء ذلك الأمر، وليس من قبيل تعطيل النص بلا موجب ومقتضى، بل إن تطبيق النص بدون أمره المتوقف عليه هو عين التعطيل وذات الانحراف والشذوذ والزيغ .
-أن يكون المناط الخاص أو العام غير متحقق، وأن تكون النازلة التي يراد تطبيق الحكم عليها غير متلائمة مع ذلك الحكم لسبب من الأسباب أو قرينة من القرائن، أو أي أمر يكون فيه تطبيق ذلك الحكم على تلك الواقعة موقعا في التعسف والتشويش والاضطراب والاهتزاز .