إن الوصول إلى امتلاك هذا المفتاح القادر على تفكيك ذلك كله - تفكيك قيود التخلف، والعودة بالعقل إلى الوحي، ومن ثم الانطلاق منه إلى ميادين الحياة وشعب المعرفة جميعًا لتنزيل قيم الدين على الحياة، وممارسة النمو والإبداع - إنما يكون بإحياء فكرة فروض الكفاية الشرعية، والتحقق بالتخصصات المطلوبة، وذلك لتحقيق الكفاية أو الاكتفاء الذاتي .. وليس ذلك فقط، وإنما امتلاك القدرة على العطاء العالمي المتميز، الذي يساهم بتعبيد الناس لله رب العالمين، ويلحق الرحمة بهم، ويوجه العلم صوب أهدافه، ويحميه من التحول إلى أداة للتسلط والاستعباد.
ولعلنا نقول: لقد آن الآوان لمراجعة جريئة وقاصدة وناقدة - تعيد الحق إلى نصابه، وتبني العقل المؤمن بأهمية التخصص، المستشعر أن التخصص من فرائض الدين - لهذه الرحلة الشاقة والمكلفة من التبعثر والضياع والتخاذل، والتخلف عن الركب، والخبط الأعشى، والتطاول والادعاء الذي يكذّبه الواقع .. ولا يخلص الأمة من الإثم الجماعي والتقليد الجماعي والتخلف والتخاذل الفكري إلا استدراك الكفايات المطلوبة، وتكامل الكفاءات، لبناء العقل الجماعي والفعل الجماعي المؤسسي، والتخلص من عقلية الرجل الملحمة العارف بكل شيء، القادر على كل شيء، الفاهم لكل شيء، تلك العقلية التي قادتنا إلى الفشل في كل شيء، وما نزال في محاولاتنا للإصلاح والمراجعة والتصويب في ضوء هذه العقلية العامة العامية لا نتقدم خطوة واحدة، وإنما نلقي القبض على الضحية ويفلت الفاعل الأصلي من العدالة، ليستمر في ممارسة فعلته الاجتماعية المنكرة .