فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 111 من 206

وقد يكون من المستغرب حقًا أن العقيدة التي جعلت العقل سبيل معرفة الوحي والتكليف بأحكامه، والأمة التي جُعل فيها العقل محلًا للوحي، ومصدرًا للتشريع، وأداة لفهم السنن، تنتهي ببعض أهلها - بالممارسة والتدين المعوج - إلى تعطيل العقل وتجريمه وإلغائه .. وأخطر من ذلك، حيث يجعل بعض أبنائها العقل مقابلًا للوحي، فيعطل بذلك الوحي والعقل معًا، ويغيب التدين السليم، إلا من بعض الممارسات الشعائرية المبتورة عن حكمتها ومقصدها .

وقد تكون المشكلة الأساس، في العطب والعطالة التي لحقت بالأدوات والنظم المعرفية التي تعتبر دليل التشغيل للآلة المنتجة (العقل) ، بحيث تحولت هذه النظم والأدوات من وسائل تشغيل وتفعيل إلى أدوات تعطيل وإلغاء، لأنها وضعت من الشروط والقيود والقواعد والضوابط ما أوصل الأمة إلى نشوء وتشكيل ذهنية الاستحالة، الأمر الذي أدى إلى مساهمة سلبية في محاصرة امتداد الشريعة وتقويم حياة الناس بها وإيقاف خلودها، وساهم بتشكيل عقدة الخوف من الاجتهاد والتعامل مع أحكامها، فهمًا وتنزيلًا، فكان أن امتد (الآخر) ليملأ الفراغ المتولد عن هذا التوقف، وكان أن وجد الكثير من المثقفين في عالمنا الإسلامي أنفسهم وعقولهم في الرحابة ومجالات التفكير المتاحة من خلال فكر (الآخر) ، حيث لا يوجد في ساحته الفكرية أية محاذير من تخويف أو تأثيم أو تجريم، أو إرهاب فكري .

صحيح أن امتداد الفقه التشريعي بشكل أو بآخر ما يزال مستمرًّا على الرغم من إقصائه عن الكثير من المواقع الرسمية والسياسية، لأن مساحات كبيرة منه تخص الفرد وعلاقاته الاجتماعية من جانب، ولأن الآفاق الثقافية أو الحوار الحضاري العالمي يتطلب قدرًا من النمو والامتداد من جانب آخر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت