ونستطيع القول: إن عملية الإقصاء أو التحييد للتشريع الإسلامي أو للاجتهاد إنما تحققت على مستوى الدولة والسياسة وبعض النخب المثقفة فقط، ولم تتحقق على مستوى الأمة والثقافة، أي أن الدعوة العلمانية التي جاءت باسم إنهاء التعصب الديني والطائفية الفكرية والسياسية، انتهت إلى طائفية أشد وأعتى ' ، أصابت الدولة ومن هم في إطارها ولم تصب الأمة، حيث أُقْنِعَت الدولة في كثير من بلدان العالم الإسلامي بأن الرصيد العلماني، على الرغم من إفلاسه الاجتماعي، يشكل ضمانة وحماية لمؤسساتها من امتداد (الإرهاب) وهجوم الأصولية الإسلامية.
وهذه الإشكالية الثقافية والسياسية، أو المعادلة الصعبة التي أورثت الصراع الرهيب بين الأمة والدولة، لابد من دراسة أسبابها وبشكل موضوعي، ووضع الحلول الغائبة، لإعادة معالجة إشكالية الدولة والأمة في عالمنا الإسلامي، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في وسائل التربية والتعليم والإعلام الإسلامي وطبيعة أدائه، وتقويم مسيرته، والوقوف بجرأة أمام بعض الأخطاء القاتلة التي تسببت في ضعف تأثيره وساهمت سلبيًا بمحاولات عزله.
وقد يكون المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى إعادة النظر بقضية توقف الاجتهاد بشكل عام، والشروط القاسية التعجيزية المطلوبة لمن يتصدى له، التي أدت إلى ذهنية الاستحالة، والتي جاءت بالأصل ثمرة لحماية الاجتهاد من المتطفلين والقاصرين والعابثين والمسوغين لأنظمة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي.