فإذا كان العقل هذا شأنه فإنه يلزم عندئذ بيان مقاصد ومصالح تتسم بالثبات والاطراد والانضباط والدوام، لنفي مواطن التغير والاضطراب والاهتراء، المتأتية بسبب اختلاف العقول وتباين النفوس وتعارض الميول والأمزجة والأهواء، ولعل ذلك هو الذي أوقع في فوضى الحياة وهرج الوجود أرباب الهوى والتشهي بسبب الاضطراب في بيان المصالح، وانفلاتها مما يضبطها ويحقق المقصود منها .
* الضوابط ثابتة باستقراء الأدلة والقرائن الشرعية، وإنكار الضوابط هو إنكار للاستقراء الذي ظل من العمليات المعرفية المنطقية، ومن المبادئ العلمية الإحصائية المعتبرة التي تلقاها العلماء والفلاسفة والخبراء على مر التاريخ البشري بالقبول والتأييد .
* إن المجتهدين يحتاجون إلى الضوابط لاستخدامها عند تعارض المصالح، فيقدمون القطعي على الظني والكلي على الجزئي، والحقيقي على الوهمي، ولن يكون ذلك حاصلًا إلا بما أقره الشارع بصفة قطعية أو أولوية أو غير ذلك، فيعلم المجتهد أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن المصلحة المنتظرة لا قيمة لها إذا كانت مساوية للمصلحة الموجودة أو أقل منها، واختيار الضرر الأخف مقدم على الضرر الأثقل إذا تعلقا بأمر واحد، وأن مصلحة البدع في العبادة مصلحة متوهمة، وإن كان ادعاء صلاحها ظاهرًا وملموسًا إلا أنها في الحقيقة مخالفة للنصوص ومعارضة لمبدأ التعبد القائم على أن المعبود لا يُعبد إلا بما شَرَع .
* العمل بالضوابط هو تأكيد لخاصية الوسطية الإسلامية، أي أنه توسط بين رأيين متناقضين متعارضين، بين:
-غلاة الظاهرية ، الذين نفوا أن تكون الشريعة معقولة المعنى معللة بمقاصدها وعللها ومصالحها، وأن ظواهر النصوص كافية لمعرفة الأحكام، وأنه لا عبرة لما وراء ذلك من أقيسة واستصلاح وعُرف واستحسان واعتبار المآل وغيره .