وبدهي أن نقول: إن جميع الشرائع السماوية جاءت لتقر مبدأ عبودية الله تعالى في كل الأحوال والأزمنة، وفي مختلف الظروف والأوضاع، ولجميع الأمم والملل والأفراد، قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل:63) . والشريعة الإسلامية باعتبار كونها تتصف بصفات الخاتمية والدوام والعموم والشمول والوسطية والتوازن والاعتدال والصلاحية، فهي واردة لتقرير نفس المبدأ وذات المعنى المتصل، بربط وتقييد كل أحوال الوجود، وإناطة جميع تصاريف الحياة بتحقيق عبادة الله عز وجل وإفراده بالألوهية والحاكمية، وتثبيت حقيقة الامتثال الأكمل والخضوع الأتم بأحكامه وهديه ووحيه العزيز، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون) (الذاريات: 56) فالعبودية بهذا المعنى الموسع تسخير لكل ما في وسع الإنسان ومقدوره بغية طاعة الخالق وجلب مرضاته، فيكون فعل الإنسان والجماعة والأمة - قائمًا وفق مبدأ العبودية الإلهية ومراد المعبود الحكيم ومقاصد الوحي الكريم.
والمقصود بهذا الضابط العام أن تكون المقاصد منبثقة من هذا المفهوم الشامل للعبادة ومتصفة بصفات الشرعية والربانية والعقدية، وأن لا يطرأ عليها بمرور الأزمنة وتعاقب الأمم وتنامي الحضارات ما يسلب منها سماتها وجوهرها، ويقدح في حقيقتها وكنهها.
وأفدح خلل قد يطرأ على هذا الضابط هو تضييق معنى العبودية الإلهية ليقتصر على الناحية الشعائرية التعبدية الروحية من صلاة وحج وذكر وصوم، ويهمل نواحي المعاملات والأنكحة والجنايات وغير ذلك مما يجب إدراجه ضمن مبدأ العبودية الإلهية، ثم إن هذا التضييق الشنيع يشكل لدى أربابه ذريعة هامة لتحكيم الهوى والتشهي في غير جوانب التعبد الشعائري بلا ضابط ودون قيد، وتحت غطاء مسايرة سنة التطور، وما تقتضيه المصلحة الفردية والجماعية، وما تمليه العقول والأعراف والعادات.