ومن الواضح أن هذا الادعاء الموهوم بيِّن البطلان والفساد، لتعارضه مع ما ذكرنا من أن الشريعة شاملة لأحوال الإنسان كلها، وأنها صالحة لكل زمان ومكان، وأن الله قد أحاط علمه بكل شيء، فهو القادر على بيان ما فيه صلاح الإنسانية في شعائرها ومعاملاتها وسائر أحوالها، أضف إلى ذلك أن من أسس العقيدة الإسلامية الربط بين الدنيا والآخرة . قال الشاطبي: (المصالح المجتلبة شرعًا، والمفاسد المستدفعة شرعًا، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الآخرة، لا من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح العادية أو درء مفاسدها العادية ) .
إن ميزان المقاصد مضبوط بنظرة الإسلام للوجود الكوني، القائمة على الجمع بين البعدين المادي والغيبي، والربط بين حياتي الدنيا والآخرة، والتنسيق بين مطالب الجسد والروح، بين مراد الشارع ومصالح الخلق، بين ظواهر الأفعال وبواطن النفوس، وغير ذلك مما يجسد حقيقة جوهر الإسلام وسائر تعاليمه وأدلته، فالمقاصد الشرعية محكومة بهذا الضابط المتين، وأن أي خلل أو شذوذ عنه يعد إخلالًا عظيمًا وانفلاتًا خطيرًا عن حقيقة المقاصد الشرعية، ومعارضة لمراد الشارع، وتحكيم للرأي الموهوم، ووقوع في المفاسد العظمى والمهالك الماحقة.
* شمولية المقاصد وواقعيتها وأخلاقيتها ، إذ ترتكز على الطابع الشمولي كما ذكرنا ذلك قبل قليل، فهي ليست مقتصرة على ناحية دون ناحية، وهي مبثوثة في سائر الأحكام والقرائن الشرعية بتفاوت من حيث القلة والكثرة، والظهور والخفاء، والتصريح والتلميح، والقطع والظن، والتنصيص والإلحاق، والتقعيد والتفريع.