فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 124 من 206

فالطابع الخلقي للمقاصد يدرأ الناحية القانونية الشكلية الظاهرية، التي تقف عند الظواهر والمباني، وتضيع الحقوق والمصالح، وتشرع لعقلية قضائية وسياسية، تقوم على تزيين الظاهر، وإضفاء الحجة والحقية على الظواهر والقرائن، وتعمد التحايل والتذرع والإيهام بغير ما هو كامن في النفوس، ومركوز في الباطن .. إنه ليس غريبًا عن المقاصد الشرعية أن تنبني على هذا المعنى الخلقي، فهي تجعل من أعظم موضوعاتها ومسائلها إبطال الحيل والذرائع وتخليص النيات والقصود من شوائب التغرير والغش والإيقاع في الظلم والغفلة والإضرار، وتطهير البواطن من الشرك والحسد والبغضاء، واستحضار الجانب الدياني في العمل القضائي، فيشترط العلماء تطابق القصد مع ظاهر العمل حتى يكون ذلك العمل صحيحًا ديانة وقضاء، أي محققًا مرضاة الله تعالى ومصالح الناس.

لذلك منعت كثير من المعاملات الفردية والجماعية بناءً على قيامها على التحايل والمغالطات، وذلك على نحو: نكاح التحليل، وزواج المتعة، وبيع العِينة، وتطليق الزوجة لحرمانها من الميراث، وقتل المورث لاستعجال الإرث، وهبة المال قبل الحول فرارًا من الزكاة وغير ذلك كثير.

فهذا ابن رشد الحفيد منذ حوالي تسعة قرون يؤكد أن تقدير المصالح لا يثبته إلا العلماء بحكمة الشرائع، الفضلاء الذين لا يهتمون بظواهر الشريعة المفضية إلى الظلم والجور.

وليس إيراد هذه الحقيقة وأمثلتها موقوفًا على أعلام الإسلام فقط، بل إن غيرهم قد أجمعوا على ما تميزت به من سمو أخلاقي ومقاصد اجتماعية وإنسانية عامة، يقول المستشرق جوزيف شاخت: (ثم إن أحكام الشريعة كلها مشبعة بالاعتبارات الدينية والأخلاقية، وذلك مثل تحريم الربا، أو الثراء غير المشروع بوجه عام، وتحريم إصدار الأحكام على أساس الشبهة، والحرص على تساوي الطرفين المتعاقدين، ومراعاة الوسط في الأمور ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت