ولعل مقاصدية وحكمة التدرج التربوية، والسير بالناس إلى تحقيق مصالحهم وسعادتهم في المعاش، وفوزهم في المعاد، وأخذهم بأحكام التشريع شيئا فشيئا، ولبنة لبنة، حتى اكتمل وكمل الهدف الكبير، وتوجيه سعيهم إلى تحقيق الهدف الكبير من العمل الصالح للفوز بالجنة، واضحة كل الوضوح ..
كما أن الترتيب التوقيفي لآيات وسور القرآن الكريم على غير أزمنة النزول، له من المقاصد والحكم التربوية في كيفية التعامل مع المنهج القرآني والتعاطي مع الواقع البشري، ما لا يخفى على كل ذي نظر وعقل، ذلك أن هذا الترتيب في تجاور الآيات، رغم تباعد وتباين أزمنة نزولها، يمنح مساحات هائلة من المرونة والتحرك الطليق، والتعامل مع المنهج بكل محطاته ومراحله حسب الاستطاعات المتوفرة والمقاصد الملائمة لكل حالة، خاصة وأن أقدار التدين ترتفع وتنخفض، ولكل حالة ما يناسبها من الأحكام والاجتهاد .
فالإيمان كما هو مقرر شرعا وملحوظ واقعا، يزيد وينقص، كما أن الإمكانات تتطور، وبالتالي لابد أن تتوافق المقاصد والأهداف المرجوة مع الإمكانات، فتنفتح بذلك أو بهذا الترتيب التوقيفي مجالات واسعة للاجتهاد لم تكن لتتحقق لو كان الترتيب مقولبا حسب أزمنة النزول .. فالقيم الإسلامية في الكتاب والسنة والفقه التطبيقي في السيرة، يشكلان الأنموذج الأكمل لكل أصول الحالات التي سوف تمر بها البشرية، والاجتهاد هو القدرة على تقدير موقع التأسي والاقتداء من مسيرة هذا الأنموذج، الذي يحقق مصالح العباد في كل مرحلة وكل حالة تكون عليها الأمة .