وفي تقديري أن التعسف في الاجتهاد المقاصدي أو غير المقاصدي، والمنزلقات التي يمكن أن يقع فيها، لا يجوز أن تقود إلى إلغاء الاجتهاد بحال من الأحوال أو إلى إغلاق باب الاجتهاد، ذلك أن التطبيق الخاطئ للوسيلة لا يجوز أن يلغي الوسيلة ويوصد الأبواب، وإنما يقتضي تصويب التطبيق ليؤتي ثماره المرجوة .. ويبقى الأصلح والأصوب، فتح الباب والممارسة حتى لو كانت تحتمل الخطأ والصواب، فالحوار والمناقشة هما الكفيلان ببلورة الحقيقة والخلوص إليها، لأن البقاء للأصلح، والبقاء للأصوب، والعاقبة للتقوى .. ومن الطبيعي أن يجري الخطأ والصواب على الإنسان، لكن تبقى القيم في الكتاب والسنة، أو معرفة الوحي بشكل أدق، هي المعايير الضابطة والموجهة والإطار المرجعي للمسيرة، والحامية من السقوط، بحيث يصير الخطأ هو أحد الأدلة والموجهات إلى الصواب .
وهذا التدافع الطبيعي، هو الذي سوف يؤدي إلى النمو وحصحصة الحق، الذي كان ولا يزال موجودا وممتدا منذ عصر الصحابة والتابعين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها طالما أن هناك فوارق فردية في المواهب والقابليات، ومساحات متفاوتة في الكسب المعرفي، والتحصيل العلمي بشكل عام .
ويبقى باب الاجتهاد المقاصدي مطلوبا ومهما ومفتوحا طالما كانت حركة المجتمعات في تطور ونمو وامتداد، وتغير وتبدل في المصالح وطبيعة المشكلات.. فالاجتهاد، وعلى الأخص الاجتهاد المقاصدي، والتجديد والنمو التشريعي والامتداد، هو دليل خلود هذا الدين، وهو من طبيعة الخلود ولوازمه .. فإغلاقه بحجة التعسف في الاجتهاد وعدم وجود المؤهل، هو نوع من محاصرة النص الخالد، والحكم العملي بعدم صلاحيته لكل زمان ومكان، وهو حجر على فضل الله تعالى، الذي أنزل الشريعة خاتمة خالدة، الأمر الذي يقتضي إيجاد المؤهلين لحملها والامتداد بها، وبذلك نقع بالحفر نفسها التي حفرها أعداء الشريعة، وحكموا بتاريخيتها وعدم صلاحيتها للعصر الحاضر .