ولا شك أن الإمام الشاطبي رحمه الله ، هو الذي أصل للاجتهاد المقاصدي في كتابه: ( الموافقات ) ، وبلور نظريته، ومن جاء بعد ما يزال يغترف من معينه، وإن كان الإمام المجدد ابن تيمية رحمه الله هو أحد رواد أو بناة الاجتهاد المقاصدي، وإن لم يفرد له كتابا أو بحثا خاصا به، حيث كانت له اجتهادات جريئة خالف فيها بعض الفقهاء، لأن تطبيق بعض الاجتهادات الفقهية النظرية المجردة السائدة في عصره، والتقليد المذهبي، بعيدا عن واقع الناس، فوت الكثير من المصالح، وتعارض مع مقصد الشارع في بناء الأسرة والمجتمع، بحيث كانت هناك فجوة تتسع بين بعض اجتهادات الفقهاء وقضايا المجتمع ومصالح العباد، إلى درجة يمكن أن نقول معها: إن اجتهاد الإمام ابن تيمية هو في الحقيقة اجتهاد مقاصدي، وإن استقراء المقاصد أو ( نظرية المقاصد ) عند شيخ الإسلام يحتاج إلى باحثين لإغناء الرؤية الاجتهادية بأصول فقهية مقاصدية على غاية من الأهمية .
ولئن كان الإمام الشاطبي رحمه الله استطاع، نتيجة لاستقراء تعاليم الشريعة في المجالات المتعددة، أن ينتهي إلى تحديد المقاصد بحماية الكليات الخمس والضرورات الخمس، التي هي: الدين والعقل والعرض والنفس والمال، فإن ذلك لا يعدو الله ن يكون اجتهادا.. ويبقى الباب مفتوحا لمزيد من الاجتهاد والاكتشاف لآفاق أخرى في المقاصد، في ضوء التطورات الاجتماعية وضمور أو غياب بعض المعاني، التي تقصد الشريعة إلى تحقيقها، حفظا لمصالح العباد، أو على الأقل محاولة إعادة قراءة هذه المقاصد في ضوء المصطلحات والمفهومات الجديدة، التي بدأت تشكل نقاط الارتكاز الحضاري والثقافي، على المستوى العالمي -وما جاءت الشريعة إلا لإلحاق الرحمة بالعالمين- كمسائل التنمية، والبيئة، والحرية، وحقوق الإنسان، والإنسانية، والعالمية... إلخ .