وهذا الكتاب .. يعتبر محاولة جادة لإعادة طرح موضوع الاجتهاد المقاصدي، واستدعائه إلى ساحة الاهتمام الفقهي والفكري، وفتح ملفه من جديد، وإن كان هذا الملف لم يغلق تماما، إلا أن الساحة الإسلامية بحاجة مستمرة إلى هذه الرؤية المقاصدية، أو الثقافة المقاصدية، التي تمنح العقل المسلم المعاصر أقدارا مهمة من ضرورة التقويم والنقد والمراجعة ودراسة الجدوى لطبيعة الأداء، كما تساهم إلى حد بعيد ببناء عقلية التخطيط وتحديد الأهداف والمقاصد في ضوء الإمكانات والاستطاعات المتوفرة والظروف المحيطة، ذلك أن بناء العقلية المقاصدية تخلص العمل الإسلامي من العشوائية والارتجال وعدم الإفادة من التجارب، والتعرف على مواطن الخلل، كما تحمي العاملين من الإحباط واليأس، الذي يجيئ ثمرة لاختلاط الأماني بالإمكانات، فيؤدي إلى مجازفات، كنا وما نزال ندفع تجاهها الأثمان الباهظة .
ولئن جاء الكتاب في الإطار الفقهي التشريعي، بحيث قد ينحصر خطابه في شريحة محدودة من المتخصصين تخصصا دقيقا، فإنه يساهم - فيما نرى - مساهمة واضحة في تشكيل الثقافة المقاصدية، بما ينضحه من رؤى فكرية وفقهية معا، قد لا تتوقف عند حدود الاستعراض التاريخي لمسيرة الاجتهاد المقاصدي، بحيث يمنح استشراف هذا التاريخ قدرا مهما من رؤية المستقبل واستشرافه، للامتداد بخلود هذا الدين، وبسط تعاليمه الإنسانية على المجتمعات البشرية .