النفي المطلق للمقاصد، واعتبارها أصلا ملغى لا يلتفت إليه، ولا يقوى على مواجهة الأدلة والنصوص والإجماعات الشرعية .
-التوسط في الأخذ بالمقاصد، والاعتدال في مراعاتها والتعويل عليها بلا إفراط ولا تفريط، وبلا إعمال مطلق أو نفي مفرط، وهو الموقف الأقرب للصحة والأليق بمنظومة الشرع ومقررات العقل ومتطلبات الواقع ومصالح الناس .
والحق أن طرح هذه القضية أمر قديم جدا، وجذوره ممتدة إلى بداية نشأة الفكر الإسلامي الفلسفي والكلامي والأصولي، وإلى ما يعرف بقضايا التعليل، والتحسين والتقبيح، وعلاقة الشرع بالعقل على وجه العموم .. غير أن الاهتمام بها ازداد تأكدا وضرورة في الآونة الأخيرة لطبيعة العصر الحالي، ولما بلغه من ظواهر وحوادث هي في حاجة ماسة إلى معالجتها في ضوء الاجتهاد المقاصدي الأصيل والنظر المصلحي المتين، يسد الفراغ الفقهي فيها، ويبرز حيوية الشريعة وصلاحها وشمولها وخلودها وحاكميتها على الحياة والوجود .
لذلك كان لزاما على أهل العلم وأرباب الاجتهاد أن يتصدوا لمتطلبات هذه القضية في ضوء معطيات الواقع المعاصر، على وفق منهجية تراعي التوسط في الأخذ بالمصالح، بغية نفي الآثار السيئة لمنهج الغلاة والنفاة، وبغرض بيان أحكام الله تعالى في النوازل المستحدثة، التي لم ينص أو يجمع عليها، أو التي يتعين ترجيحها وتغليب بعض معانيها ومدلولاتها، بسبب كونها ظنية واحتمالية لم تستقر على معنى معين ومدلول واحد .
وقد كانت فكرة طرق هذا الموضوع ترد علي منذ زمن ليس باليسير، وخاصة عندما كنت طالبا بحامع الزيتونة لما انعقد ملتقى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله في سنة 1985م (1) ، فقد كانت مسألة المقاصد ودورها الفقهي، من المحاور المهمة التي حظيت بنصيب وافر من النقاش والتعليق .